19‏/10‏/2010

أسطورة النيل الخالد

تعد الصحراء الأفريقية الكبرى هي أكبر صحراوات العالم والت تمتد لآلاف الكيلومترات في قلب القارة السمراء، وتقع مصر فى قلب تلك الصحراء، ولولا أن النيل قد اخترقها منذ ملايين السنين، فدعا البشر إلى سكنى واديه لما كانت مصر ولا حضارتها،حيث قامت، أقدم حضارة ومجتمع ونظام ودولة، ولا ننسى وصف هيرودوت لمصر بقوله:«مصر هبة النيل» وان كانت هذه المقولة لم تحظى بإعجاب المصريين فهب من يعترض قائلا: لا إن مصر هبة المصريين، لأن النيل يعبر تسع دول أفريقية، على مدى يزيد على ستة آلاف كيلومتر (أطول انهار العالم) لم تصنع جميعها حضارة كالتي صنعها المصريين، وإن كنا نظن أن العلاقة «الجدلية» بين النهر والبشر هى التى صنعت تلك الحضارة الباذخة. ومن ثم لم يكن غريبا أن يقدس المصريون القدماء النيل والذي أسموه حابى أو النيل، فاحترموه وحافظوا على مياه النيل وأصبح من أكبر الكبائر أن يلوث أحدهم النهر.
ومن النيل اتخذت أقدم رموز المملكتين القديمتين قبل توحيدهم على يد «مينا»، فنبات البردى لمملكة الشمال، وزهرة اللوتس لمملكة الجنوب، ومن نبات البردى صنعت أقدم أنواع الورق (والذي اسم للورق بكل لغات العالم)، كما صنعت المقاعد والأسرة والمراكب.
لقد مثل النيل العمود الفقري للحياة المصرية على طول التاريخ وحتى وقتنا الحالي، سواء في ميدان الزراعة والعقيدة والتنظيم الاجتماعي، ومختلف جوانب الحياة،
فمن طميه صنعوا الطوب اللبن لبناء بيوتهم، ومن أخشاب أشجاره وغابه صنعوا أدواتهم، وآلاتهم الموسيقية واقتاتوا على المحاصيل والنباتات والحيوانات والطيور التى تعيش على ضفافه.
ومن وحي الأساطير المصرية نجد أنه فى النيل ألقى «ست» الشرير، جسد أخيه الطيب «أوزير» بعد أن مزقه إلى أربعين قطعه، دفنتهم إست(ايزيس) فى الأقاليم المصرية الأربعين. وحول جسد أوزير ماء النيل إلى «ماء الحياة»، الذى يخصب الأرض البور، وأصبح على كل عاقر ترغب فى الولد، أن تملأ إبريقا من الفخار الأسود من ماء النيل، وتذهب به إلى المقابر حيث أوزوريس، ساكنا للمقابر وإلها للخصب، وقاضى قضاة العالم الأخر، لتخلع ملابسها وتستحم بماء النيل فى طقس رمزى تعاشر فيه أوزوريس، ولا يخالجها بعد ذلك شك فى أنها سترزق الولد.
والنيل هو نهر الأبدية فى العالم الآخر، وفى غربه، وحيث تغرب الشمس أقام المصريون القدماء أهرامهم ومعابدهم الجنائزية ومقابرهم، وعلى النيل تعلموا صيد السمك والطيور وأفراس النهر والتماسيح.
وللنيل موسمان: اولهما موسم الفيضان بين شهرى يوليو وسبتمبر، حيث يبلغ منسوب مياهه 16 ذراعا أو أكثر من ثمانية أمتار كانت تقاس بمقاييس متدرجة من البوص ثم أقيمت بعض المقاييس الثابتة فى مختلف أنحائه حتى أقام المحتلون العباسيون مقياس الروضة سنة 861م،
والآخر موسم التحاريق أو الجفاف بقية العام، يبذر فيه المصريون الحبوب ويتابعون نموها، حتى مواسم الحصاد، واحتفى المسلمون بنهر النيل ومائه العذب حفاوة بالغة، حتى إنهم رووا فى مأثورهم أنه ينبع من جنات عدن.
وكان جفاف النهر، وعدم وصول مياهه إلى الذراع السادسة عشرة على مقياسه، هو أخطر الكوارث التى تحيق بالأرض والبشر والدولة والنظام، فتنعدم الخيرات والمحاصيل، وترتفع أسعار الندرة الباقية منها، وتتوقف قدرة الناس على دفع الضرائب التى تعيش عليها الدولة وجهازها الإدارى والعسكرى، ولا يعد هناك سوى الفوضى والخراب والمجاعة، كما حدث فى الشدة المستنصرية (1065-1071)،وان تكلمنا عن النيل لن نكفيه حقه لكونه مصدر حياة مصر وبدونه ستصبح مصر صحراء جرداء لا قدر الله
النيل في الشعر القديم والمعاصر
ولتكن البداية مع شاعر الشعب سيد درويش رائد الموسيقى والغناء الحديث وأحد مؤسسي النهضة الموسيقية المصرية، ففى رائعته الخالدة «بلادى» ينشد فيقول«مصر يا أم البلاد/ أنت غايتى والمراد/ وعلى كل العباد/ كم لنيلك من أيادى»
واما عم بيرم التونسي في قصيدة أنا المصرى فيقول«أنا المصرى كريم العنصرين/ بنيت المجد بين الاهرمين/ جدودى أنشئوا العلم العجيب/ ومجرى النيل فى الوادى الخصيب/ لهم فى الدنيا آلاف السنين/ ويفنى الكون وهما موجودين
وننتقل لبديع خيرى الذي يغنى فيقول«أول كلام تقوليه لابنك/ وطنك مافيش زيه دحه/ م النيل امبوه حبوه/ حبه يانونو بالاكتر/ من بابا وماما واسكر/ منه التسه ومنه الممه/ أوعى تنسى فرض الأمة، يا جدع انت»، وفى أغنيته عن وحدة مصر والسودان، والتى لحنها العبقرى من مقام أفريقى «دنجى، دنجى، دنجى» يقول: «يا مصيبه وجانى من بدرى/ ذى الصاروخ ف ودانى/ مافى حاجه اسمه مصرى/ ولاحاجه اسمه سودانى/ بحر النيل راسه فى ناحية/ رجليه فى الناحية التانى/ فوجانى يروحوا ف داهية/ إذا كان سيبوا التحتانى»
ومن اللافت هنا أن كلمة «بحر» اعتاد الفلاحين المصريين ذكرها بمعنى النيل نفسه،إذ يبدو أنهم طوال عهودهم لم يهتموا بالتجارة عبر البحار ولا بالصيد البحرى، ومن ثم ظل النيل هو البحر بالنسبة لهم، حتى لم يعد هناك بد من التمييز فميزوا البحر المتوسط بقولهم: البحر المالح( او الاخضر الكبير بالمصرية القديمة واج ور)، ومن هنا فبحر النيل نفسه هو المقصود بأغنية «البحر بيضحك ليه/ وأنا نازلة ادلع املا القلل»، إذ لا يقبل أن تملأ القلل من الماء المالح
وقد كان فيضان النيل فى حالاته النموذجية يغطى الأراضى الزراعية كلها، وتصبح البلدان والقرى مجرد دوائر صغيرة على ثوب فضى رائع، وتغنى أم كلثوم من كلمات رامى «يا مسافر على بحر النيل/ أنا ليا فى مصر خليل/ من حبه ما بنام الليل/ على بلد المحبوب وديني».
وكان النيل مصدرا ملهما لعشرات الاغنيات الوطنية ففى نشيد الجامعة تنشد أم كلثوم لرامى أيضا «ياشباب النيل ياعماد الجيلهذه مصر تناديكم/ فلبوا دعوة الداعى إلى الحق النبيل/ شيدوا المجد على العلم وهبوا/ ثم سيروا كل جمع فى سبيل»
ولها ايضا من كلمات إبراهيم ناجى «أجل ان ذا يوم لمن يفتدى مصر/ فمصر هى المحراب والجنة الكبرى/ حلفنا نولى وجهنا شطر حبها/ وننفذ فيه الصبر والجهد والعمرا/ سلاما شباب النيل فى كل موقف/ على الدهر يجنى المجد أو يجلب الفخرا»
وتغنى نجاح سلام من كلمات محمود حسن إسماعيل، الذى يستحق بجدارة لقب «شاعر النيل» فى اوج معركة السويس «أنا النيل مقبرة للغزاة/ انا الشعب نارى تبيد الطغاة/ انا الموت فى كل شبر اذا/ عدوك يامصر لاحت خطاه»
ويغنى عبدالوهاب «اجرى يا نيل عزيزا فى الوجود/ واروي للأيام تاريخ الوجود/ وانهضى ياجنة الدنيا وسودى / واعيدى مجدك الماضى اعيدى/ بأس احرارك من بأس الحديد».
وكانت معركة بناء السد العالى فرصة كبيرة لظهور النيل فى الغناء الوطنى، نكتفى منها بنموذج واحد هو حكاية السد لعبدالحليم حافظ وصلاح جاهين، وفيها «كان طبيعى نبص للنيل اللى أرواحنا ف ايديه/ ميته فى البحر ضايعة والصحارى ف شوق اليه».
ويغنى الشيخ إمام، من كلمات أحمد فؤاد نجم «الدم يجرى فى ماء النيل/والنيل بيفتح على سجنى/والسجن يطرح غلة وتيل نجوع ونتعرى ونبنى/ يامصر لسة عددنا كتير / لاتجزعى من بأس الغير/ يامصر ملو قلوبنا الخير/ وحلمنا ورد مندى/آمان آمان بيرم أفندى».
وكما كان للنيل ملهم فى الغناء الوطنى، فقد كان ملهما لعشرات الأغنيات العاطفية، أو الأغنيات، التى وقفت على الحدود بين العاطفى والوطنى، فها هو عبدالوهاب، يغنى من كلمات شوقى «النيل نجاشى حليوة اسمر/ عجب للونه دهب ومرمر/ ارغوله ف ايدو يسبح لسيدو/ حياة بلادنا يارب زيده».
ولعبدالوهاب أيضا من كلمات عزيز أباظة «همسة حائرة»، وفيها «هل تذكرين بشط النيل مجلسنا/ نشكوا هوانا فنفنى فى شكوانا/ تنساب فى همسات الماء انتنا/ وتستثير شجون الليل نجوان»، وله أيضا: «امتى الزمان يسمح ياجميل واسهر معاك على شط النيل/الجو كله سكون والورد نام ع الغصون/ والقمر طالل علينا والعزول غاب عن عنينا/ وأنا والجميل قاعدين سوا على شط النيل».
أو تغنى أم كلثوم رائعتها من شعر بيرم التونسى» شمس الأصيل دهبت خوص النخيل/ تحفة ومتصورة فى صفحتك ياجميل/ والناى على الشط غنى والقدود بتميل/على هبوب الهوى لما يمر عليل يانيل.. أنا وحبيبى يا نيل غايبين عن الوجدان/ يطلع علينا القمر ويغيب كأنه ماكان/ بايتين حوالينا نسمع ضحكة الكروان/ على سواقى بتنعى ع اللى حظه قليل يا نيل يا نيل» ويغنى عبدالحليم حافظ»ياتبر سايل بين شطين ياحلو ياسمر/ لولا سمارك جوه العين ما كات تنور».
وطبعا تأتى على رأس أغانى النيل رائعة محمود حسن إسماعيل، النهر الخالد «مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال/ ظمآن والكأس فى يديه والحب والفن والجمال.. سمعت فى شطك الجميل/ ماقالت الريح للنخيل/ يسبح الطير أم يغنى ويشرح الحب للخميل/ واغصن تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل».
وللحديث بقية إنشاء الله مع تحياتي وللإمام
محمود عبدالحميد