24‏/9‏/2012

فتوحات إسلامية ام غزوات استعمارية


فتوحات إسلامية ام غزوات استعمارية
يكتبها: يوسف المساتي
منشورة بالحوار المتمدن بتاريخ 10-04-2010


شهدت الدولة الإسلامية أوج توسعها خلال العصر الأموي تحت اسم "الفتوحات"، غير أنه كان –إلا في حالات نادرة- بحد السيف، وهو ما يسمح بالتساؤل حول أسباب هذه العملية "الفتوحات" : هل جاءت بهدف نشر الإسلام أم لتوسيع أرجاء الدولة؟ قبل الإجابة لا بد لنا من استحضار مجموعة من المعطيات التي تحمل في ثناياها جواب هذا السؤال.
من بين الأمور المهمة والواجب الإشارة إليها في هذا المقام أنه مباشرة بعد وفاة الرسول (ص) اندلعت حروب الردة، والتي غطت معظم الأراضي المفتوحة آنذاك، ولعل أحد أهم عواملها الأساسية هو أن إسلام أغلب القبائل العربية كان سياسيا أكثر منه دينيا، بمعنى أن إسلام هذه القبائل لم يكن تسليما للخالق و رسوله، وإنما كان تسليما للسلطة السياسية القائمة، وهو ما عبر عنه مسيلمة الكذاب من خلال رغبته في اقتسام السلطة مع محمد (ص)، ما يعني أن قبائل شبه الجزيرة كانت تنظر إلى محمد (ص) كزعيم سياسي أكثر منه نبيا أو رسولا.
من ناحية أخرى فإن المتتبع لحركة "الفتوحات" يجد أنه ثمة مناطق فتحت بسرعة بشكل مثير للدهشة أحيانا، غير أن هذه الدهشة سرعان ما تتلاشى عندما نتأمل في خارطة هذه المناطق حيث نجد أن أغلبها كان يعاني من وطأة النظم التي كانت تحكمه (الفرس، الروم...)، وبالتالي، شكل الإسلام ملاذا اجتماعيا و سياسيا، خاصة في ظل ما طبع العصر الراشدي في فترته الأولى (فترة أبو بكر و عمر) من عدالة اجتماعية و مساواة.
وهنا لابد أن نشير إلى أن الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام كانت تتم بجيش من "المتطوعين" كان يجتمع حسب الضرورة، للفوز بإحدى الحسنتين الغنيمة أو الجنة، غير أنه وعلى يد معاوية سيتحول المتطوعة إلى جيش نظامي، وبالتالي، تحول المتطوع إلى جندي غاز يتلقى راتبا شهريا مقابل توسيع أرجاء الدولة وحماية النظام القائم من الثورات والتمردات الداخلية.
أما المعطى الأخير الذي نسوقه في هذا الصدد وهو أن العديد من المناطق قد شهدت ثورات على الحكم المركزي، بسبب سوء معاملة الولاة، أو استمرارها في دفع الجزية برغم إعلانها لإسلامها، ويمكن لنا هنا أن نستحضر ما حدث في أرض المغارب من عمليات مصادرة لثروات وخيرات المنطقة، والتي كانت أحد أسباب ثورة السكان على الحكم المركزي، واحتضانهم للعديد من الحركات المناوئة للسلطة.
وبناء على ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن ما يعرف بالفتوحات الإسلامية خلال العصر الأموي جاءت بهدف توسيع أرجاء الدولة، وتسخير خيرات المناطق المفتوحة للسلطة الحاكمة، أما نشر الإسلام فلا نعتقد أنه كان من بين أهداف الحكام آنذاك، وهو ما يقتضي أن نميز بين الفتح الذي يعني دخول الدين الإسلامي لمنطقة ما، وبين الفتح الذي يعني فتح خزائن الخليفة وولاته لنهب ثروات مناطق ما باسم الإسلام، لأنه ثمة وسائل أخرى انتشر بها الإسلام (التجارة، البعثات الدبلوماسية...)، وشهد التاريخ أنها رسخت الإسلام في نفوس المعتنقين له أكثر مما فعل حد السيف.

رابط المقال:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=211033

19‏/9‏/2012

ثقافة المواطنة


ثقافة المواطنة
بقلم د.السيد نصر الدين السيد
أستاذ ادارة المعرفة السابق بجامعة كونكورديا- بكندا


لقد شهدت العقود الأخيرة تآكلا حادا فى أركان المواطنة الثلاثة، “الإنتماء” و”المشاركة” و”المساواة”. فقد عانى الركن الأول “الإنتماء”، على سبيل،  من مرض مزمن لانجد له إسما أفضل من إسم “تسيد ثقافة الملة”. وهو مرض تتنوع أعراضه ما بين مناوشات كلامية على الإنترنت وإحتقانات طائفية على أرض الواقع ما نكاد نتجاوز أحداث واحدة منها حتى تدهمنا أحداث واحدة أخرى. وثقافة الملة هذه هى الثقافة التى تعلى من شأن الإنتماء للملة على حساب الإنتماء للوطن فيتآكل مفهوم المواطنة ويتضاءل تأثيره فى المجتمع. وتنبع خطورة هذا المرض فى كونه يتعلق بوحدة وتماسك الكيان المصرى الذى لم يعرف أية تشققات أو تصدعات فى بنيته منذ نشأته كأول “أمة – دولة” فى تاريخ الإنسان على أيدى الفرعون مينا منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. فقد كان تماسك وتجانس الكتلة البشرية للأمة المصرية عبر تاريخها الطويل واحدا من أهم الملامح الفريدة التى تميزت بها هذه الأمة. فهى الأمة التى إبتدعت مفهوم “الوطن” الذى ينتمى إليه كل أفرادها ويدينون له بالولاء فتجاوزت بذلك ضيق الإنتماء إلى القبيلة والعشيرة أو الطائفة الذى مازال يحكم سلوك العديد من الأمم
أما سبب هذا المرض فهو ما يتبناه البعض من نظرة تجزيئية/تقطيعية لتاريخ الوطن فتنظر إليه وكأنه سلسلة من الحقب المنفصلة عن بعضها البعض كل منها مقطوع الصلة بمن يسبقه ولاتأثير لأى منها على مايعقبه. وهى بذلك تهمل إهمالا مريبا عناصر الإستمرارية والتواصل فى تاريخنا الطويل. وهى العناصر التى ترتكز على المقومات المؤسِسة والثابتة للأمة المصرية بدءا بـ “الموقع” بإطلالته على البحرين الأبيض والأحمر وإمتداده عبر قارتى آسيا وإفريقيا وإنتهاءا بـ “الموضع” بنيله وواديه. وهكذا يختزل أصحاب هذه الثقافة تاريخ الوطن إلى حقبة واحدة ويتجاهلوا الموروث الحضارى والثقافى لبقية االحقب. وهو الموروث الذى يتبدى على سبيل المثال فى لغة حديثنا اليومية (إمبو، مم، بخ …) وفى الكثير من عاداتنا مثل إحياء ذكرى الأربعين. وهكذا يتناسى أصحاب هذه الثقافة مايذكره لنا تاريخ مصر المكتوب الذى يتجاوز 52 قرن (3200 ق.م – 2010 م). فلقد شهد هذا التاريخ أربعة عصور (أو حضارات) رئيسية. وأول هذه العصور هو “عصر التأسيس” الذى غطى الـ 29 قرن الأولى من عمر الأمة (3200 ق.م – 332 ق.م) أى مايعادل 56% من تاريخها. وهو العصر الذى تشكلت فيه النواة الصلبة للهوية المصرية نتيجة لتفاعل الإنسان المصرى مع بيئته الطبيعية موقعا وموضعا. ثم كان العصر الثانى “العصر الهلينستى” الذى تزاوجت فيه حكمة المصريين مع فلسفة اليونانيين وإستمر ثلاثة قرون (323 ق.م – 30 ب.م) ليمثل 6% من تاريخ الأمة. وأعقب هذا العصر “العصر المسيحى” الذى أثرى الهوية المصرية بما بشر به السيد المسيح وإستمر حوالى 6 قرون (33-640 م) أو مايعادل 12% من عمر الأمة. ثم جاء “العصر العربى/الإسلامى” الذى عرب لسان المصريين وأثرى هويتهم بتعاليم الإسلام وإمتد 14 قرن منذ فتح العرب لمصر سنة 640 وحتى يومنا هذا ليشكل بذلك 27% من تاريخ الأمة
ومكمن الخطورة فى هذه النظرة أنها تفضى إلى رؤية أحادية البعد للكيان المصرى. وهو الكيان الذى نشأت شخصيته وتطورت عبر مئات القرون كمحصلة لتفاعل حضارات مختلفة، فرعونية (مصرية قديمة) ويونانية وقبطية وإسلامية وحديثة، تمثلتها الأمة وهضمتها لتفرز خصوصيتها المتميزة. فهكذا تشكل الكيان المصرى لتكون شخصيته شخصية مركبة ومتعددة الأبعاد، ولكن فى وحدة وتكامل غير منقوصين. وهذا التعدد هو فى حقيقة الأمر هو رصيد قوتها الكامنة والمتجددة، وهو سر قدرتها على البقاء وتجاوز الأزمات، وهو محرك آلياتها للإبداع وللتكيف مع الجديد. وأى رؤية تختزل أبعاد هذه الشخصية إلى بعد واحد ليست فى نهاية الأمر إلا خصما من هذا الرصيد
إن الإعتراف بـ “مصرية المصريين” لايعنى “الفرعونية”، كما يحلو للبعض تسميتها …!، أو إعادة إنتاج إحدى مراحل التاريخ المصرى القديم، أو “الإستعلاء” على الآخر والتفاخر الكاذب والمضلل، أو “الإنعزال” عما يدور فى المنطقة التى توجد مصر فيها من أحداث والإنكفاء على نفسها. ولكنه يعنى أهمية أن نأخذ فى الإعتبار ثراء وتنوع مكونات الكيان المصرى الذى تقوم عليه “قوة مصر الناعمة”. هذا بالإضافة إلى الإعتراف بـ “تمايز”، وليس “تميز”، الأمة المصرية عن غيرها من الأمم. وأخيرا فهو يعنى ضرورة التفاعل الإيجابى المؤثر والفعال مع مايدور فى منطقتنا من أحداث طبقا لما تمليه المصالح العليا لمصر، أو إنطلاق من مرجعية مصرية خالصة.

15‏/9‏/2012

هويتنا المصرية ج2

هويتنا المصرية ج2
د.عماد جاد
منشور بجريدة التحرير بتاريخ 13/09/2012



للهوية المصرية خصوصية، جعلت مصر وشعبها متميزين فى جوانب مختلفة عن غيره من شعوب المنطقة، طبعت الهوية المصرية بصماتها على الشخصية المصرية التى أخذت مكوناتها الأساسية من تاريخ مصر العريق. مصر دولة عرفت الحضارة منذ فجر التاريخ، وعلى أرضها تشكلت حضارة عريقة تمكنت من استيعاب كل وافد جاء، وهضمت ما وفد إليها من ثقافات وحضارات، نجحت مصر عبر التاريخ فى استيعاب كل من وفد إليها. على أرض مصر ظهر التوحيد قبل ظهور الديانات الإبراهيمية، كانت ملاذا آمنا، فعلى أرضها نشأ وترعرع نبى الله موسى، ووسط أهلها عاش السيد المسيح ثلاث سنوات ونصف السنة هربا من بطش هيرودس الملك، وجد على أرضها الأمن والأمان، تحولت مصر إلى المسيحية فلم تقبل أن تكون رقما سهلا أو بلدا ضمن بلدان تحولت إلى المسيحية، فمن مصر خرجت الرهبنة إلى العالم كله، وتمسكت كنيسة الإسكندرية بما رأته «إيمانا حسب الكتاب» وتبنت المذهب الأرثوذكسى الذى يعنى السليم القويم أو الحرفى أو النصى، فى مواجهة مذاهب أخرى اعتبرها أهل مصر متساهلة. وعندما دخل الإسلام مصر، وتحول غالبية المصريين إلى الإسلام، أيضا لم تقبل مصر أن تكون رقما سهلا فى المعادلة، مصر باتت قِبلَة لكل من لم يشعر بالأمان بين أهله وعشيرته، أنشأت الأزهر الذى بات قِبلة الإسلام السُّنى الوسطى فى العالم، ومرجعية الإمام الأكبر، شيخ الجامع الأزهر، مقدَّرة فى العالم الإسلامى والسُّنى تحديدا. فى جميع الأحوال لم تقبل مصر أن تكون رقما سهلا فى أى معادلة، كانت باستمرار رقما صعبا فى المعادلة، رغم أنها لم تكن نقطة البداية أو الانطلاق فى الحالتين المسيحية والإسلامية.
تركت الهوية المصرية بصماتها الواضحة على طبيعة الشحصية المصرية، فأصبح المواطن المصرى متدينا، مسيحيا أو مسلما، يقدر فى غالبيته الساحقة الأديان، يحترم المقدسات، يضفى بصماته الخاصة على المناسبات الدينية فتصبح هذه المناسبات، مسيحية وإسلامية، ذات نكهة خاصة فى مصر، فعلى أرض مصر يجرى الاحتفال سنويا بمناسبات مسيحية لا تجد مثيلا لها فى أى مكان آخر، ومنها على سبيل المثال الاحتفال والاحتفاء بالسيدة العذراء مريم، وهى احتفالات سنوية يشارك فيها المصريون، مسيحيين ومسلمين، كما أن لشهر رمضان نكهة خاصة فى مصر لا توجد فى بلد إسلامى آخر. الشعب المصرى متدين بطبيعته، لا يقبل فى غالبيته الساحقة إساءة إلى دين أو مساسا بمقدس. هذه الطبيعة للهوية المصرية هى التى حفظت مصر بلدا آمنا مستقرا بصفة عامة، صامدا فى وجه أنواء وعواصف أسقطت تجارب شعوب أخرى. وفى الوقت الذى كانت فيه الطبيعة المصرية تضفى بصماتها الواضحة على كل من يفد إليها من الخارج ليقيم بين أهلها، فإن المصرى يحمل معه فى «غربته» هذه الطبيعة التى تتسم باحترام وتقدير الأديان بصفة عامة. طبعا ولأن لكل قاعدة استثناء، فإن هناك فئات محدودة تشذّ عن الطبيعة المصرية، ومن ثم نجد تشددا، وتطرفا يصل أحيانا إلى الشذوذ الفكرى والخروج الكامل على الطبيعة المصرية، وهو ما شهدناه فى قصة الفيلم الأمريكى المسىء إلى الإسلام ونبيه، الذى شارك فى صناعته عدد ممن يُطلَق عليهم أقباط المهجر، وإذا أمعنّا النظر فى هذا العدد سوف نجده عبارة عن مجموعة صغيرة منحرفة فكريا تخرج تماما عن الطبيعة المصرية التى تحترم الأديان وتجلّ المقدسات، فأقباط المهجر مصطلح يشير إلى ما يتجاوز مليونَى مواطن مصرى تسرى فى عروق غالبيتهم الساحقة دماء مصرية وطنية، وهناك قلة منحرفة فكريا تحمل عداء شديدا لكل ما هو مصرى، ومن ثم لا بد من التعامل معها على هذا الأساس، فمصطلح أقباط المهجر يشير إلى مصريين يعيشون خارج مصر، منهم علماء ورجال أعمال وخبراء فى شتى المجالات، يقدرون بلدهم، وفى نفس الوقت يحملون بداخلهم مشاعر وطنية، نشؤوا وفق المفهوم السابق الإشارة إليه للهوية المصرية. الهوية المصرية هى التى دفعت مصريين مسلمين إلى مشاركة مصريين مسيحيين الحزن على ضحايا جريمة كنيسة القديسيْن، ومن ثم ذهبوا إلى الكنائس بالشموع كنوع من المشاركة الرمزية للمسيحيين فى صلاة عيد الميلاد الأول بعد جريمة كنيسة القديسيْن، والهوية المصرية هى التى دفعت مصريين مسيحيين إلى مشاركة مصريين مسلمين فى التظاهر أمام السفارة الأمريكية، احتجاجا على الفيلم الأمريكى المسىء إلى الإسلام ونبيه. نعم قد نختلف كمصريين سياسيا وفكريا، قد نتجادل وىساجل بعضنا بعضا حول قضايا شتى ومن بينها المواطنة والمساواة وطبيعة الدولة والنظام السياسى المأمول، لكن المؤكد أننا كمصريين لا نقبل بأى مساس بالأديان والمقدسات، ننتقد رئيسنا ونظامنا السياسى وكل ما يجرى على أرضنا، ولكن نرفض أى تدخل خارجى فى شؤوننا الداخلية.
رابط المقال:

12‏/9‏/2012

هويتنا المصرية ج1

هويتنا المصرية ج1
د.عماد جاد 
منشور بجريدة التحرير بتاريخ 12/9/2012



كل عام وكل المصريين بخير وسلام وأمن، أمس كان بداية السنة المصرية الجديدة، أمس كان الأول من توت سنة 6354 حسب التقويم المصرى القديم، تقويم وضعه أجدادنا الفراعنة الذين أبدعوا فى مجالات شتى إلى الدرجة التى عجز العلم الحديث عن فك شفرة بعض الإبداعات المصرية القديمة. عندما نهنئ المصريين جميعا ببداية السنة المصرية القديمة، فإننا ندعو فى الوقت نفسه إلى أن يتصالح المصريون مع أنفسهم وتاريخهم، بعد أن جرى تشويه متعمد لهذا التاريخ ودفعوا قطاعات من المصريين إلى الخجل من جوانب معينة فى تاريخنا.
لفترة طويلة من الوقت كان الحديث عن «الهوية المصرية» حديثا غير مرحب به فى أوساط عديدة فى مصر، وذلك بفعل حملة القوميين والإسلاميين على الهوية المصرية، فقد عملوا طوال الوقت على إزاحة الهوية المصرية إلى خلفية المشهد لحساب الهوية التى يدافعون عنها ويتبنون رؤيتها. فأصحاب الرؤية القومية يتمسكون بفكرة القومية العربية، ويرون فى أى حديث عن «القومية المصرية» أو الهوية المصرية تحديا كبيرا لفكرة القومية العربية، بل هروب من «قدر مصر» باعتبارها أكبر دولة عربية، قدرها أن تقود الدول العربية الأخرى على طريق التوحد.
أما أصحاب الرؤية الإسلامية فبالطبع يرون فى الهوية المصرية العدو الأول لمشروعهم الأممى، ذلك المشروع الذى ينهض على فكرة الأمة القائمة على أساس الرابطة الدينية، والذى يرى فى المشارك فى العقيدة، مهما حمل من جنسية، أقرب إلى المسلم المصرى من شريك الوطن الذى يدين بديانة غير الإسلام، ولذلك جاءت كلمات المرشد العام السابق للإخوان المسلمين، مهدى عاكف، واضحة وقوية ولا تحتاج إلى تفسير عندما تهكم على الهوية المصرية وأطلق كلماته الشهيرة «طظ فى مصر وأبو مصر»، مضيفا إليها الشق التالى وهو أنه يرحب بأن يرأس ماليزى أو باكستانى مصر، فالقضية بالنسبة إليه أممية قائمة على الرابطة الدينية.
وعمل التياران القومى والإسلامى على الإساءة إلى الهوية المصرية، وتعاونا فى البحث عن غطاء دينى لهذه الإساءة فكان الحديث عن «فرعون» وقدموا صورة مشوهة للتاريخ الفرعونى، أسقطوا إنجازات الحضارة المصرية فى كل الميادين والمجالات، وركزوا على «كفر» الفرعون. وهناك من جعل قضية الإيمان محور الحديث، وحاكموا قدماء المصريين أول من روج لفكرة التوحيد، باعتبارهم «كفارا ووثنيين» وذلك فى وقت لم تكن فيه سوى الديانة اليهودية وهى ديانة مغلقة قائمة على رابطة الدم، لم يقرؤوا ما سطره علماء «المصريات» من غير المصريين عن حضارة وأخلاق المصريين، ولم يفتحوا كتاب «فجر الضمير» ويقرؤوا ما كتب «جيمس هنرى برستد» عن الطبيعة والمجتمع الإنسانى، لم يتوقفوا أمام عدد وطبيعة الأسئلة التى توجه إلى روح المصرى والذى عليه أن يجيب عن ثمانين سؤالا، نصفها بنعم والآخر بلا كى يدخل الجنة، ومن بين الأسئلة التى عليه أن يجيب عنها بالنفى القاطع «هل تسببت يوما ما فى إيذاء نبات بأن نسيت أن ترويه؟»، وهل لوثت مياه النيل، وغيرها من الأسئلة التفصيلية التى تنم عن أمة عريقة وحضارة تسبق بأخلاقها حضارات أمم كثيرة تعيش فى عالمنا المعاصر.
لقد عمل التياران القومى والإسلامى على تشويه التاريخ المصرى، وبذلوا كل جهد من أجل إشعار المصرى العادى بالخجل من تاريخه وبالتحديد من أجداده إلى الدرجة التى جعلت البعض يشعر بالفخر من الانتماء إلى أصول غير مصرية، وقد تجلى ذلك فى مناهج التعليم وفى رسائل وسائل الإعلام، وباتت الجذور المصرية التى تفخر كبرى جامعات الدول المتقدمة بتخصص «كورس» دراسى حولها، سيئة السمعة فى مصر.
وقد تعرض رموز مصر الذين حاولوا إعادة الاعتبار إلى الهوية المصرية، إلى حملات إعلامية عاتية، اتهمتهم بالتغريب، والولاء للخارج، والبعض اتهمهم بالعداء للقومية والإسلام، حدث ذلك مع آباء الحركة الليبرالية المصرية فى أوائل القرن العشرين، وتكرر المشهد فى أواخر سبعينيات القرن ذاته عندما ظهرت كتابات على يد توفيق الحكيم ولويس عوض تدعو إلى «حياد» مصر تجاه الصراعات فى المنطقة، وما تبعها من جدل حول هوية مصر مرة أخرى، هل هى هوية فرعونية، تنتمى إلى الحضارة المتوسطية التى تجمعها مع اليونان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، أم هى دولة عربية مكانها الطبيعى مع ليبيا والجزائر والعراق والخليج العربى؟

10‏/9‏/2012

عام مصري جديد 6254 مصرية


ليلة عيد رأس السنة المصرية الجديدة..
وبكرة يشرق نهار جديد على تاريخ مصر..
كل عام وانتم بخير..
كل عام وانتم مصريين...


كلنا هنحتفل بكره بأول تقويم في الوجود..تقويم مصر
دمتم مصريين

3‏/9‏/2012

ميناء الإسكندرية عبر الزمن


ملخص تاريخي عن ميناء الإسكندرية
درة موانئ البحر المتوسط

إعداد/ محمود فرحات
عضو جمعية الآثار بالإسكندرية

أولا: مقدمة تاريخية:

يفتح البحر المتوسط ذراعية ليحتضن عروسة الخالدة الإسكندرية وهى تختال وتتكسر أمواجه على صخورها، لتشهد الدنيا كلها على ذلك العُرس الخالد والذي عقده التاريخ منذ ما يقرب من 2330 عام، عُرسا مهيب معطر بعبق التاريخ...فقد كانت الإسكندرية قبل قدوم فارسها الإسكندر إليها مدينة صغيرة تدعى راكوتيس تحترف مهنة الصيد حيث موقعها بين بحيرة مريوط من الجنوب والبحر المتوسط شمالاً حيث ميناء "كيبوتوس" وقد أنشأها المصريون القدماء مع عدد آخر من المدن الصغير بقصد حماية السواحل من هجمات شعوب البحر..كان التاريخ في ذلك الوقت ينظر ويسجل خروج الإسكندر المقدوني يقود جيشه المظفر لتتهاوى أمامه الممالك والإمارات الفارسية في آسيا الصغرى والشام، وفي معركة أسوس في عام 333ق.م ومع انكسار جيوش داريوس أصبح الطريق مفتوح إلى مصر لتأمين ظهر الجيش المقدوني من خطر الأسطول الفارسي القابع على مقربة من سواحل مصر، ولقد كان له ما أراد فدخل منف عاصمة مصر في ذلك الوقت منتصراً واسر حاكمها الفارسي المدعو "مازاكس"واظهر المصريون له الترحاب فاعتبروه فاتح ولم يعدوه من الغزاة، لان المصريون ومنذ الأسرة 26 المصرية ألفوا الجنود الإغريق الذين عملوا كجنود مرتزقة بالجيش المصري...وبدأت علاقة الإسكندر بمعشوقته الجميلة منذ أن كان في طريقة إلى معبد الوحي بسيوه حتى يستشير كهنتها في الخروج لمواصلة حربه ضد الفرس في عقر دارهم..وفي طريقة إلى سيوه مر بذلك الموقع المميز الذي سحر القائد العظيم وفكر في بناء مدينة عسكرية لجنوده في هذا المكان الفريد حيث انه تميز بما يلي:
·         إمكان وصول مياه الشرب العذبة إليه من فرع النيل الكانوبي
·         وجود جزيرة صغير بمواجهة هذا الموقع لا تبعد عن سوى ميل واحد يمكن الاستفادة منها كخط دفاع إمامي
·         وجود بحيرة مريوط من الجهة الجنوبية مما يشكل خط دفاع طبيعي عن هذه اليابسة.
·         جفاف المنطقة وبعدها عن طمي النيل وفيضانه وذلك بسبب ارتفاع المدينة نسبياً عن الدلتا
·         جنوب الموقع المختار وجدت راكوتيس تلك القرية المصرية التي تصلح أن تكون نواة للحياة بالمدينة
·         وجود نواة لميناء هام بالبحر المتوسط يخدم المصالح الإغريقية التجارية والتوسعية وخاصة بعد تدمير الإسكندر لميناء "صور" بالشام.


وبعد الاستقرار على الموقع قرر الإسكندر إسناد إنشاء المدينة للمهندس "دينوقراطيس" وفي 21 يناير 332ق.م وضع حجر أساس المدينة التي بنيت على شكل رقعة الشطرنج "النمط الهيبودامي" حيث أنشئت بالمدينة شارعين رئيسين متقاطعين هما شارع "كانوب" او طريق الحرية حالياً وشارع " سوما" أو النبي دانيال حالياً، كما قام المهندس "دينوقراطيس" بعمل جسر "هيبتاستاديوم" أي السبعة ستاديوم، وذلك لأن طوله سبعة ستاديوم (حوالي 1300 متراً) ويمتد من اليابسة إلى الجزيرة المقابلة والتي سميت فيما بعد بجزيرة فاروس نسبة للفنار العجيب الذي إقامة المهندس الإغريقي "سوستراتوس" حيث بلغ وكان نتيجة لهذا الجسر أن جعل هناك ميناءين كبيرين احدهما شرقي ويدعى الميناء الكبير "بورتوس ماجينوس" والآخر الميناء الغربي أو ميناء العود الحميد "بورتوس ايونوستوس"
وقد كان الميناء الكبير أو الميناء الشرقي هو الميناء الرئيس لمدينة الإسكندرية، بينما كان الميناء الغربي ميناء ثانوي حتى بدايات العصر الحديث.

ثانيا: ميناء الإسكندرية عبر الزمن
يعد ميناء الإسكندرية من أهم وأقدم المواني الواقعة على البحر الأبيض المتوسط فقد كان الإسكندر الأكبر يستهدف من وراء تأسيس مدينة الإسكندرية تأسيس ميناء جديد يحتل مكانة في عالم التجارة بعد أن حطم ميناء صور في الشام وهو في طريقة إلي مصر كما أن علاقة مصر بعالم بحر إيجة كانت  في ازدياد مطرد منذ عدة قرون سابقة على قدوم الإسكندر (منذ عصر الأسرة 26) لذلك كان على الإسكندر أن ينمي هذه العلاقة ولم يكن هناك طريقة أفضل لتحقيق هذه الغاية من إنشاء ميناء جديد كبير يطل على بحر إيجة ويكون جدير بأهمية مصر وثرائها المادي .

وقد كشف بعض الباحثين في قاع البحر (عند مكان جزيرة فاروس) عن بقايا أرصفة ومنشآت بحرية ضخمة فثارت تبعاً لذلك مشكلة هامة إذ يعتقد البعض أن هذه البقايا كانت جزءاً ميناء الإسكندرية في العصر الإغريقي، بينما يعتقد البعض الأخر أنها أطلال ميناء أقدم من ذلك عهداً يرجع إلي أيام ملك مصر رعمسيس الثاني (الأسرة 19)، والذي شيد في هذا المكان ميناء يحمي مصر من غارات سكان البحار وبخاصة مع تزايد هجمات الكريتيين على السواحل المصرية، وهناك فريق ثالث من الباحثين يذهب إلي أن هذه البقايا تمُت إلي ميناء أنشأه أهل جزيرة كريت في خلال القرن الثاني قبل الميلاد حيث امتدت سيادتهم البحرية حتى الشاطئ المصري...وكان وجود جزيرة فاروس تجاه البقعة التي اختيرت لبناء المدينة على الشاطئ كفيلاً بخلق ميناءين آمنين بمجرد مد جسر "الهيبتاستاديوم " من الشاطئ إلي هذه الجزيرة وكان الميناءين أحدهما إلي الشرق والأخر في الغرب، وقد جعل في الجسر ممران قرب طرفية يصلان بين الميناءين وقد خصص للملوك البطالمة ميناء خاص أطلق عليه أسم ميناء الملوك وكان يقع على الشاطئ الجنوبي للميناء الكبير بمواجهة جزيرة أنتيرودوس التي كانت تقع داخل هذا الميناء الكبير وإلي الجنوب الشرقي منه ومن رأس لوخياس كان يمتد لسان يحمي الميناء الكبير من التيارات المائية والرياح الشمالية، وكان هذا اللسان يقع تجاه الصخرة التي شيدت فوقها المنارة إلي الشرق من جزيرة فاروس .

1-    ميناء الإسكندرية في العصر البطلمي :
كانت الإسكندرية في العصر البطلمي هي عاصمة مصر ولذلك أصبح ميناء الإسكندرية هو الميناء المصري الأول في المياه العميقة، فميناء بلوزيوم (الفرما بجوار بورسعيد) فكان يقع على فرع النيل الشرقي على بعد عشرين ستاد من ساحل البحر) بينما كانت الميناء النهري نقراطيس (أسسه الإغريق في عصر الأسرة 26) تقع على الفرع الغربي بعيداً جداً عن البحر وموغلة في داخل الدلتا، أما كانوب (أبو قير الحالية) التي كانت تعتبر المنفذ البحري لميناء نقراطيس فنحن لا ندري إذا كانت قد قامت فيها استعدادات أو معدات بحرية هامة ، ولكنها كانت لا تزيد عن مكان محمي عند مصب النهر فلقد فاق ميناء الإسكندرية هذه الموانئ بشوط كبير ويثبت التاريخ الاقتصادي لمصر في عصر البطالمة هذه الحقيقة بشكل ملموس.
وقد ساعد على الارتقاء بميناء الإسكندرية إلي هذا المركز الأول موقعها المتوسط بين هذه الطرق، كما ساعد على ذلك عاملين هامين هما اللذان ساعدا دون شك في احتفاظ ميناء الإسكندرية بالمركز الذي وصلت إليه
1-    أول هذين العاملين هو منارة الإسكندرية التي أقيمت على جزيرة تتاخم جزيرة فاروس من الجانب الشرقي وكان طولها أكثر من 135 متراً لتصبح المنارة بعد ذلك نقطة اهتداء للملاحين الذين يحملون تجارة البحر المتوسط من شواطئه المختلفة
2-    أما العامل الأخر فهو الترعة التي كانت تتفرع من النيل لتصل بعد نحو 27 كيلو متراً إلي ميناء الإسكندرية عبر خليج بحيرة مريوط الذي كان يمتد داخل المدينة والذي أقيمت عليه ميناء فرعية تخدم الميناء الأساسية فقد هيأت هذه الترعة إلي جانب ميناء بحيرة مريوط سبيل الاتصال المباشر بين الإسكندرية وطرق القوافل الموصلة إلي أعماق القارة الأفريقية .
ويمكننا أن نلق نظرة سريعة على حركة الواردات والصادرات لنقدر على أساس صحيح قيمة الدور الذي كان منوطاً بميناء الإسكندرية والذي جعل منها الميناء الأول وأحد المرافق الاقتصادية الأساسية في عهد البطالمة، لقد فقد كانت الأخشاب من أهم الواردات في هذه المرحلة التي اتجهت فيها سياسياً وحربياً نحو البحر المتوسط ومن ثم كان لابد لها من أسطول يحمي سواحلها وهكذا كان البطالمة في حاجة إلي استيراد كميات كبيرة من الأخشاب الجيدة...كذلك كان القطران يمثل جانباً هاماً من واردات مصر في ذلك الوقت فهي مادة لا يمكن الاستغناء عنها في صناعة السفن التي كانت تقوم عليها قوة البطالمة البحرية بالإضافة إلى أنواع عديدة من المعادن والرخام، وإذا كان دور ميناء الإسكندرية تظهر لنا أهميته الاقتصادية والتجارية إلا أن أهمية هذا الدور تزداد إذا نظرنا إلي تسهيله عملية إنماء الروابط الودية بين ملوك هذه الفترة وبعض جزر البحر المتوسط التي كانت لها أهمية خاصة كمحطة على الطرق التجارية البحرية مثال جزيرتي رودس وديلوس.

2-    ميناء الإسكندرية في العصر الروماني :
كان موقع الإسكندرية فريداً من الطريق بين الشرق والغرب فهي تشرف على البحر المتوسط من ناحية وتصلها بالبحر الأحمر سلسلة متقنه من القنوات بين فروع دلتا النيل من ناحية أخري بحيث كانت السفن تسير من البحر الأحمر إلي الإسكندرية مباشرة، ولقد استطاع السكندريون استخدام أساطيلهم البحرية في البحريين المتوسط والأحمر على خير وجه ففي البحر المتوسط كان لهم أول أسطول تجاري وكانت الإسكندرية مركز اتصال بجميع مواني هذا البحر، أما في البحر الأحمر فقد احتكرت الإسكندرية التجارة الشرقية التي وصلت إلي الهند احتكاراً تاماً خاصة بعد ما اكتشف فئة من تجار الإسكندرية الرياح الموسمية التي تهب على المحيط الهندي وتمكنوا من استخدامها للسير مباشرة عبر المحيط الهندي بدلاً من التزام الساحل على طول الشواطئ الجنوبية لشبه الجزيرة العربية ثم شواطئ الهند وقد استطاعوا بذلك أن يصلوا إلي سيلان والساحل الشرقي للهند ونتيجة للصناعة الهائلة التي قامت في الإسكندرية في هذا الوقت فقد أصبحت الإسكندرية بفضل ذلك وبفضل مينائها أكبر سوق تجاري في العالم يلتقي فيه التجار من كل أمم الأرض يعقدون صفقاتهم ويتبادلون بضائعهم .

3-    ميناء الإسكندرية بعد الفتح العربي :
وظل لميناء الإسكندرية أهميته العظيمة في العصر البيزنطي وحتى بداية الفتح العربي حيث أصبحت الفسطاط هي عاصمة مصر وغادر الإسكندرية عدد كبير من الجالية الرومانية بأموالهم وسفنهم مما أدي إلي كساد التجارة بها، ولقد عظم شأن ميناء الإسكندرية في العصر الفاطمي فكانت الثغر التجاري الأول في مصر الذي تفد إليه السفن التجارية في هذا العصر وكان الفاطميون يفرضون مكوساً أو ضرائب على التجارة الواردة إلي الإسكندرية والصادرة منها مما أدي إلي انتعاش الإسكندرية اقتصادياً..أما في العصر الأيوبي فقد أصبحت الإسكندرية هي العاصمة الفعلية لمصر وكانت بسبب أهمية مينائها في ذلك الوقت سوقاً هاماً للتجارة العالمية، أما في العصر المملوكي فقد حظي ميناء الإسكندرية بأهمية كبيرة خاصة بعد أن فقدت مدينة دمياط أهميتها الحربية والاقتصادية بتهديم أسوارها وبردم فم بحرها والقضاء عليها كثغر تدخله السفن التجارية ، فبذلك أصبح ميناء الإسكندرية أهم ثغور مصر وأعظم مركز تجاري في العالم الإسلامي...وخلال نهايات العصر المملوكي عاد للظهور مينائي رشيد ودمياط كميناءين منافسين للإسكندرية في مركزها التجاري وفي اجتذاب أكبر عدد من السفن خاصة تلك التي تتردد على مواني الشام وقبيل الفتح العثماني أصيبت البلاد بضربة قاضية نتيجة تحول التجارة العالمية إلي طريق رأس الرجاء الصالح ففقدت مصر مورداً مالياً من أهم مواردها ومنذ ذلك الوقت بدأ مركز الإسكندرية التجاري في التضاؤل وعدد سكانها في الانخفاض وترتب على ذلك إهمال الميناء وعدم الاهتمام به..وإذا وصفنا الإسكندرية في العصر العثماني فكانت تطل على ميناءين احدهما الشرقي وهو المخصص لرسو السفن الأجنبية رغم عدم صلاحيته لهذا الغرض حيث يقع مبني الجمرك ومنازل قناصل الدول الأجنبية وفي نهايته تقف قلعة قايتباي شامخة، أما الميناء الآخر هو الميناء الغربي فرغم صلاحيته لرسو السفن وأعمال الملاحة فكان مهملاً لا نشاط فيه وزاد سوء حالة ميناء الإسكندرية بعد الحملة الفرنسية.

4-    ميناء الإسكندرية في العصور الحديثة :
بعد أن دخلت مدينة الإسكندرية في حوزة محمد علي أثر انسحاب حمله فريزر أدرك والي مصر أهمية هذه المدينة بالنسبة لمصر فقام بعمل عدد من الإصلاحات والتطورات بها ومنها حفر ترعة المحمودية 1817 والتي ساعدت على ازدهار حركة التجارة بالإسكندرية، حيث تدفقت المحاصيل المصرية على ميناء الإسكندرية عن طريق تلك الترعة وامتلأ ميناؤها الغربي بالسفن الأوروبية لنقل تلك المحاصيل ولتفريغ ما تحمله من آلات وعتاد.
ولقد أدي نشاط الحركة التجارية في ميناء الإسكندرية إلي زيادة العناية والاهتمام بإصلاح الميناء وتعميقه كي تستطيع السفن كبيرة الحجم من الرسو على أرصفة بعد أن كانت تقف داخل الميناء بعيداً عن الشاطئ وتفرغ ما بها من تجارة في مراكب صغيرة تقوم بنقلها إلي الأرصفة..وكان تعميق الميناء الغربي وإعداده ضروري لمواجهه النشاط المتزايد في حركة التجارة وما أصبح للإسكندرية من مركز حربي ممتاز كقاعدة للأسطول المصري في البحر المتوسط، ولهذا لم تدخر مصر وسعاً في خلال الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد في العمل على تعميق الميناء وتطويره، هذا إلي جانب بناء أرصفة أخري جديدة خصصت لأنواع معينة من السلع. كما أن سماح مصر للسفن الأوروبية بالرسو في الميناء الغربي الذي يعتبر من هذه الناحية أصلح من الميناء الشرقي قد شجع على زيادة التبادل التجاري بين الإسكندرية والمواني الأوروبية، زاد على ذلك إنشاء فنار الإسكندرية بشبه جزيرة رأس التين وظلت هكذا الإسكندرية ومينائها محتفظين بمركزهم الأول كميناء مصر الأول وحتى بداية القرن العشرين.

-         5- ميناء الإسكندرية وثورة يوليو :
إن الثورة التي قامت لإنهاء الاحتلال والقضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال لم تكن لتتواني في منح المدن ما تستحقه من عناية ولما كانت الإسكندرية أكبر مواني الجمهورية وأهمها هذا فضلاً عن كونها من أهم مواني البحر المتوسط وثاني مدن القطر فقد أولتها وزارة الشئون البلدية والقروية من العناية ما هي جديرة به فشكلت هيئة لأعداد تخطيط عام للمدينة لضمان تنفيذ السياسة البعيدة المدى التي رسمت لتنفيذ المشروعات العمرانية بما يتفق مع مركز ميناء الإسكندرية وما ينتظرها من نمو وتطور في الخمسين سنة القادمة..ولقد افتتح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر المحطة البحرية عام 1963 وطورت الترسانة البحرية لبناء وإصلاح السفن وافتتحت عام 1963 ثم أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قراره بإنشاء الهيئة العامة لميناء الإسكندرية سنة 1967، وازداد ازدهار ميناء الإسكندرية وعمل على تطويره وإصلاح التالف منه حتى عام 1986، حيث صدر القرار بإنشاء ميناء الدخيلة حيث إن الهيئة العامة لميناء الإسكندرية تختص دون غيرها بإدارته، وميناء الدخيلة يعد امتداد طبيعي لميناء الإسكندرية وقد بدأ إنشائه منذ عام 1980 عن طريق جهاز المشروعات وبدأ تشغيله مرحلياً منذ عام 1986 حيث بدأ تشغيل مرسي المعادن حتى بدا تشغيله نهائياً.

المراجع التي يمكن الاستفادة بها:
1-  عزت قادوس، آثار الإسكندرية القديمة
2-  فوزي الفخراني، أثار الإسكندرية في العصرين اليوناني الروماني
3-  احمد عبد الفتاح، تاريخ الإسكندرية نشأتها وحضارتها منذ أقدم العصور
4-  محمد صبحي عبد الحكيم، الإسكندرية
5-  هنري رياض، أثار الإسكندرية في العصر البطلمي
6-  إبراهيم نصحي، تاريخ الإسكندرية في العصر البطلمي
7-  محمود الفلكي، الإسكندرية وضواحيها
8-  الفريد بتلر، فتح العرب لمصر، تعريب محمد فريد أبو حديد

1‏/9‏/2012

تشريعات الملك باكن رنف




الملك (باكن رنف) او (بوكخوريس) باللغة اليونانية
ينتمي الملك باكن رنف الى الاسرة الرابعة والعشرون والتي عاصرت الاسرة الخامسة والعشرون (الاحتلال الكوشي لمصر) حكم البلاد بعد وفاة والدة الملك المناضل (تف نخت) الذي لم يترك ملوك المحتل الكوشي (بعنخي وخلفة) يهنئ باحتلال مصر فطاردهم في طول مصر وعرضها، بلغت مده حكم الملك بوكخوريس حوالي 6سنوات او اقل  في الفترة من 725ق.م وحتى 720ق.م
رغم فترة حكمة البسيطة الا انه خلف لنا تراث هام من القوانين والتشريعات التي تسبق تشريعات حمورابي وتفوقها انسانية، حتى ان الاغريق يعدونه من المشرعين العظام في القانون
وتقول الاسطورة انه خلال حكمة نطق احد الكباش وحذر المصريين من غزو الاشوريين وهذا ما تحقق بعد وفاته،حيث اعد جيش كبير وخرج لملاقاة الاشوريين في فلسطين ولكنه هزم وعاد الى عاصمة البلاد في ذلك الوقت في (صاو) او صالحجر بمحافظة الغربية حاليا حتى يتفرغ لتحرير مصر من الكوشين الاندال الذين استغلوا ضعف البلاد وتحالفوا مع كهنة طيبة واحتلوا البلاد.
ولقد قتل بوكخوريس على يد ملك الكوشين المحتل شاباكا حيث هزمة في احد المعارك واسره واحضرة لعاصمة بلادة في ناباتا وتخلص منه بطريقة متوحشة تتناسب وافريقيته المتوحشة حيث أمر بحرقه حياً (قارن بين موقف تحتمس الثالث من اعدائة وبين موقف شاباكا من ملك مصر بوكخوريس)

قوانين بوكخوريس:

اهتم هذا الملك بالإصلاحات التي عادت بالبلاد إلى سيرتها الأولى وسابق عصرها الذهبي حيث المبادئ الفردية والمساواة الاجتماعية وقد وجه ضربة قاصمة إلى الإقطاع في شكليه المدني والديني وحارب الارستقراطية الدينية وقضى على امتيازات رجال الدين التي اكتسبوها خلال العصر الآموني وفي عصره سادت النزعة الفردية وحلت محل الإقطاع.
ولم يكن قانون بكخوريس أول القوانين التى دونت فى مصر الفرعونية بل عرفت مصر قبلها الكثير من المدونات القانونية والكثير من الملوك المشرعين بداية من عصر الاله تحوت اله التشريع عام 4241ق.م وقد كان ذلك القانون ذا طابع دينى حيث أنه صدر مباشرة من الاله تحوت وجاء الملك مينا والذى وحد البلاد سياسياً ودينياً وأيضا تشريعياً وقانونياً حيث أمر بتطبيق قانون تحوت على كل المملكة المتحدة.
المصدر الوحيد لقانون بكخوريس هو موسوعة مكتبة التاريخ لديودورس الصقلي، المجلد الأول: المصريون القدماء، الباب السادس، الفقرات 14 – 19

وقانون بكخوريس ظل معمولا به أثناء حكم البطالمة وبعض من حكم الرومان حتى عام212 بعد الميلاد عندما أصدر الامبراطور الرومان كراكلا دستوره المعروف الذى منح الجنسية الرومانية لكافة الأجانب عدا الأجانب المستسلمة
وقانون بوكخوريس ظل يطبق على المصريين خلال كل العصر الاغريقي وبعض من العصر الروماني وذلك إعمالا لمبدأ شخصية القوانين حيث كان المجتمع الواحد يعرف أكثر من قانون يطبق كل منها على أشخاصه فقط بصرف النظر عن مكان اقامته و مع ذلك فقد أثبت قانون بوكخوريس مكانته المتميزة وتفوقه فى الفكر القانونى للعالم القديم. و نقل الينا هيرودوت و كذلك المؤرخ ديودور الصقلى أن المشرع اليونانى الاشهر صولون كان قد زار مصر عام 595ق.م واطلع على قوانين بكخوريس قبل أن يضع هو قوانينه الشهيرة و كذلك يذهب بعض المؤرخين الى أن واضعي قانون الالواح الاثنا عشر-أول القوانين المدونة فى روما القديمة - أشاروا الى اطلاعهم على قوانين بكخوريس و اعتناق كثير من أحكامه و كانوا يشيدون به علانية فى الساحات الكبرى حيث تذاع القوانين لاعلام الكافة بها قبل دخولها حيز النفاذ.
وخلال الاسرة السادسة والعشرين  اول الملك(احمس الثاني) أمازيس الثاني تقليد قانون بوكخوريس و أصدر هو أيضا قانونا باسمه و لكن ما أن قضى عهد حكمه حتى عادت البلاد الى قوانين بوكخوريس من جديد و اندثر قانون أمازيس.

خصائص قوانين بوكخوريس  718 – 712 ق.م
على الرغم من قصر المدة التى حكم فيها هذا الفرعون مصر الا أنه
قد وجه ضربة قاصمة الى رجال الدين بالغاء امتيازاتهم كجزء من الغاء كثير من امتيازات الطبقات الأخرى و عاد بالبلاد الى سيادة النزعة الفردية و تحولت المساواة الى مبدأ يطبق على كل المراكز القانونية عامة كانت أو خاصة. (امتيازات الكهنة ادت الى احتلال مصر بعد ان زاد ثرواتهم ونفوذهم وتحالفوامع اعداء مصر الكوشين ضد ملوك مصر)
وهذا القانون سماه البطالمة من حكام مصر فيما بعد قانون العقود نظرا لاحتوائه على قواعد القانون المدني وأيضا قواعد الأحوال الشخصية.
تحرر القانون بالكامل من الطابع الديني للقوانين السابقة عليه طوال العصر الأموني وجاء خلواً من أي حكم ديني.
تحرر القانون من الشكليات والاجراءات المعقدة القديمة وجعل من الكتابة وحدها الوسيلة الفعالة فى مجال الاثبات.
أعلى القانون من شأن الارادة فى التصرفات القانونية و سادت بسبب ذلك قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.
كان شديد المحاربة لفكرة الديون و آثارها السيئة على المجتمع و هو فى ذلك كان أسبق من غيره من القوانين.
فقد كانت الديون فى الماضى سببا مباشرا من أسباب الاسترقاق حيث يتسبب عجز المدين عن الوفاء فى تحويله الى عبد للدائن و هو ما يطلق عليه الاكراه البدنى و ذلك بأن يكره الدائن المدين على العمل لديه حتى يحصل على حقه منه أو كان فى مكنة الدائن بيع مدينه فى سوق العبيد للحصول على الثمن لسداد الدين.
وفى هذه الجزئية كان قانون بوكخوريس تقدميا للغاية فى عصره حيث ألغى الرق بسبب الدين و أحسن معاملة العبيد بصفة عامة و خفف كثيرا من معاناتهم. وعلى الجانب المالى لقضية الديون ألغى بوكخوريس نظام الفائدة المركبة حيث أنه كان يبالغ فيها الى حدود غير معقولة قبل صدور قوانينه و كانت تصل الى 100% بل و 120% و تضاف سنويا الى أصل الدين سنويا و هكذا مما كان يجعل السداد مستحيلا فحدد قانون بوكخوريس السقف الأعلى للفائدة على النقود ب 30% بينما بلغ ذلك الحد فى الحاصلات الزراعية الى الثلث فقط و فى هذا السياق وصل تفكيره الى الغاء الفوائد التى تتكون لتصل الى أكثر من أصل الدين و هى فكرة لم تكن معروفة فى ذلك الزمان بالمرة. بيد أن أعظم انجاز قانونى فى القانون المدنى أتى به بوكخوريس كان الغاء الاكراه البدنى بأن جعل التنفيذ قاصر على أموال المدين فقط أى على ذمته المالية و لا يمتد الى جسده أو حريته كما كان الوضع قبلها و هذه الفكرة هى القائمة فى كل الثقافات القانونية فى عالم اليوم.
أما فى مجال الأحوال الشخصية فقد حرص القانون على الاعتراف بالمساواة الكاملة بين الجنسين و كانت للمرأة أموالها الخاصة و لها الحرية الكاملة أن تتصرف فيها بكل أنواع التصرفات بمقابل أو بدون مقابل فى حال الحياة أم الى ما بعد الوفاة (الوصية) و لها الشخصية القانونية الكاملة التى تبيح لها أن تذهب الى المحكمة مدعية أو مدعى عليها و كانت شهادتها مأخوذ بها. كذلك كان لها أن تبدى رأيها فى أمر زواجها بالقبول أو الرفض و لها اشتراط الاحتفاظ بالعصمة فى يدها و كذلك وضع ما تشاء من الشروط المالية فى عقد الزواج بما فيها على سبيل المثال النص على الحق فى قبض تعويض مالى ضخم من الزوج فى حال الزواج من امرأة أخرى و كثيرا ما وقف مثل هذا الشرط عائقا فى سبيل اتمام هذا الزواج الثانى و عليه كان تعدد الزوجات – كنتيجة لذلك كله – نادر الحدوث و ساد مبدأ الزواج الفردى على أساس أنه الأصل و أصبح تعدد الزوجات هو الاستثناء و يتم بناء على موافقة الزوجة الأولى فى حالات الضرورة القصوى بسبب مرض أو عقم الزوجة الأولى مثلا. وساوى القانون المذكور بين الأخ وأخته فى التركات ولم يعترف بالنظام القديم الذى كان يميز الأخ الأكبر فى الميراث. ووضع القانون المذكور ديون الزوج الى زوجته فى موضع ممتاز ولها الأسبقية على كافة الديون الأخرى.