1‏/9‏/2012

تشريعات الملك باكن رنف




الملك (باكن رنف) او (بوكخوريس) باللغة اليونانية
ينتمي الملك باكن رنف الى الاسرة الرابعة والعشرون والتي عاصرت الاسرة الخامسة والعشرون (الاحتلال الكوشي لمصر) حكم البلاد بعد وفاة والدة الملك المناضل (تف نخت) الذي لم يترك ملوك المحتل الكوشي (بعنخي وخلفة) يهنئ باحتلال مصر فطاردهم في طول مصر وعرضها، بلغت مده حكم الملك بوكخوريس حوالي 6سنوات او اقل  في الفترة من 725ق.م وحتى 720ق.م
رغم فترة حكمة البسيطة الا انه خلف لنا تراث هام من القوانين والتشريعات التي تسبق تشريعات حمورابي وتفوقها انسانية، حتى ان الاغريق يعدونه من المشرعين العظام في القانون
وتقول الاسطورة انه خلال حكمة نطق احد الكباش وحذر المصريين من غزو الاشوريين وهذا ما تحقق بعد وفاته،حيث اعد جيش كبير وخرج لملاقاة الاشوريين في فلسطين ولكنه هزم وعاد الى عاصمة البلاد في ذلك الوقت في (صاو) او صالحجر بمحافظة الغربية حاليا حتى يتفرغ لتحرير مصر من الكوشين الاندال الذين استغلوا ضعف البلاد وتحالفوا مع كهنة طيبة واحتلوا البلاد.
ولقد قتل بوكخوريس على يد ملك الكوشين المحتل شاباكا حيث هزمة في احد المعارك واسره واحضرة لعاصمة بلادة في ناباتا وتخلص منه بطريقة متوحشة تتناسب وافريقيته المتوحشة حيث أمر بحرقه حياً (قارن بين موقف تحتمس الثالث من اعدائة وبين موقف شاباكا من ملك مصر بوكخوريس)

قوانين بوكخوريس:

اهتم هذا الملك بالإصلاحات التي عادت بالبلاد إلى سيرتها الأولى وسابق عصرها الذهبي حيث المبادئ الفردية والمساواة الاجتماعية وقد وجه ضربة قاصمة إلى الإقطاع في شكليه المدني والديني وحارب الارستقراطية الدينية وقضى على امتيازات رجال الدين التي اكتسبوها خلال العصر الآموني وفي عصره سادت النزعة الفردية وحلت محل الإقطاع.
ولم يكن قانون بكخوريس أول القوانين التى دونت فى مصر الفرعونية بل عرفت مصر قبلها الكثير من المدونات القانونية والكثير من الملوك المشرعين بداية من عصر الاله تحوت اله التشريع عام 4241ق.م وقد كان ذلك القانون ذا طابع دينى حيث أنه صدر مباشرة من الاله تحوت وجاء الملك مينا والذى وحد البلاد سياسياً ودينياً وأيضا تشريعياً وقانونياً حيث أمر بتطبيق قانون تحوت على كل المملكة المتحدة.
المصدر الوحيد لقانون بكخوريس هو موسوعة مكتبة التاريخ لديودورس الصقلي، المجلد الأول: المصريون القدماء، الباب السادس، الفقرات 14 – 19

وقانون بكخوريس ظل معمولا به أثناء حكم البطالمة وبعض من حكم الرومان حتى عام212 بعد الميلاد عندما أصدر الامبراطور الرومان كراكلا دستوره المعروف الذى منح الجنسية الرومانية لكافة الأجانب عدا الأجانب المستسلمة
وقانون بوكخوريس ظل يطبق على المصريين خلال كل العصر الاغريقي وبعض من العصر الروماني وذلك إعمالا لمبدأ شخصية القوانين حيث كان المجتمع الواحد يعرف أكثر من قانون يطبق كل منها على أشخاصه فقط بصرف النظر عن مكان اقامته و مع ذلك فقد أثبت قانون بوكخوريس مكانته المتميزة وتفوقه فى الفكر القانونى للعالم القديم. و نقل الينا هيرودوت و كذلك المؤرخ ديودور الصقلى أن المشرع اليونانى الاشهر صولون كان قد زار مصر عام 595ق.م واطلع على قوانين بكخوريس قبل أن يضع هو قوانينه الشهيرة و كذلك يذهب بعض المؤرخين الى أن واضعي قانون الالواح الاثنا عشر-أول القوانين المدونة فى روما القديمة - أشاروا الى اطلاعهم على قوانين بكخوريس و اعتناق كثير من أحكامه و كانوا يشيدون به علانية فى الساحات الكبرى حيث تذاع القوانين لاعلام الكافة بها قبل دخولها حيز النفاذ.
وخلال الاسرة السادسة والعشرين  اول الملك(احمس الثاني) أمازيس الثاني تقليد قانون بوكخوريس و أصدر هو أيضا قانونا باسمه و لكن ما أن قضى عهد حكمه حتى عادت البلاد الى قوانين بوكخوريس من جديد و اندثر قانون أمازيس.

خصائص قوانين بوكخوريس  718 – 712 ق.م
على الرغم من قصر المدة التى حكم فيها هذا الفرعون مصر الا أنه
قد وجه ضربة قاصمة الى رجال الدين بالغاء امتيازاتهم كجزء من الغاء كثير من امتيازات الطبقات الأخرى و عاد بالبلاد الى سيادة النزعة الفردية و تحولت المساواة الى مبدأ يطبق على كل المراكز القانونية عامة كانت أو خاصة. (امتيازات الكهنة ادت الى احتلال مصر بعد ان زاد ثرواتهم ونفوذهم وتحالفوامع اعداء مصر الكوشين ضد ملوك مصر)
وهذا القانون سماه البطالمة من حكام مصر فيما بعد قانون العقود نظرا لاحتوائه على قواعد القانون المدني وأيضا قواعد الأحوال الشخصية.
تحرر القانون بالكامل من الطابع الديني للقوانين السابقة عليه طوال العصر الأموني وجاء خلواً من أي حكم ديني.
تحرر القانون من الشكليات والاجراءات المعقدة القديمة وجعل من الكتابة وحدها الوسيلة الفعالة فى مجال الاثبات.
أعلى القانون من شأن الارادة فى التصرفات القانونية و سادت بسبب ذلك قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.
كان شديد المحاربة لفكرة الديون و آثارها السيئة على المجتمع و هو فى ذلك كان أسبق من غيره من القوانين.
فقد كانت الديون فى الماضى سببا مباشرا من أسباب الاسترقاق حيث يتسبب عجز المدين عن الوفاء فى تحويله الى عبد للدائن و هو ما يطلق عليه الاكراه البدنى و ذلك بأن يكره الدائن المدين على العمل لديه حتى يحصل على حقه منه أو كان فى مكنة الدائن بيع مدينه فى سوق العبيد للحصول على الثمن لسداد الدين.
وفى هذه الجزئية كان قانون بوكخوريس تقدميا للغاية فى عصره حيث ألغى الرق بسبب الدين و أحسن معاملة العبيد بصفة عامة و خفف كثيرا من معاناتهم. وعلى الجانب المالى لقضية الديون ألغى بوكخوريس نظام الفائدة المركبة حيث أنه كان يبالغ فيها الى حدود غير معقولة قبل صدور قوانينه و كانت تصل الى 100% بل و 120% و تضاف سنويا الى أصل الدين سنويا و هكذا مما كان يجعل السداد مستحيلا فحدد قانون بوكخوريس السقف الأعلى للفائدة على النقود ب 30% بينما بلغ ذلك الحد فى الحاصلات الزراعية الى الثلث فقط و فى هذا السياق وصل تفكيره الى الغاء الفوائد التى تتكون لتصل الى أكثر من أصل الدين و هى فكرة لم تكن معروفة فى ذلك الزمان بالمرة. بيد أن أعظم انجاز قانونى فى القانون المدنى أتى به بوكخوريس كان الغاء الاكراه البدنى بأن جعل التنفيذ قاصر على أموال المدين فقط أى على ذمته المالية و لا يمتد الى جسده أو حريته كما كان الوضع قبلها و هذه الفكرة هى القائمة فى كل الثقافات القانونية فى عالم اليوم.
أما فى مجال الأحوال الشخصية فقد حرص القانون على الاعتراف بالمساواة الكاملة بين الجنسين و كانت للمرأة أموالها الخاصة و لها الحرية الكاملة أن تتصرف فيها بكل أنواع التصرفات بمقابل أو بدون مقابل فى حال الحياة أم الى ما بعد الوفاة (الوصية) و لها الشخصية القانونية الكاملة التى تبيح لها أن تذهب الى المحكمة مدعية أو مدعى عليها و كانت شهادتها مأخوذ بها. كذلك كان لها أن تبدى رأيها فى أمر زواجها بالقبول أو الرفض و لها اشتراط الاحتفاظ بالعصمة فى يدها و كذلك وضع ما تشاء من الشروط المالية فى عقد الزواج بما فيها على سبيل المثال النص على الحق فى قبض تعويض مالى ضخم من الزوج فى حال الزواج من امرأة أخرى و كثيرا ما وقف مثل هذا الشرط عائقا فى سبيل اتمام هذا الزواج الثانى و عليه كان تعدد الزوجات – كنتيجة لذلك كله – نادر الحدوث و ساد مبدأ الزواج الفردى على أساس أنه الأصل و أصبح تعدد الزوجات هو الاستثناء و يتم بناء على موافقة الزوجة الأولى فى حالات الضرورة القصوى بسبب مرض أو عقم الزوجة الأولى مثلا. وساوى القانون المذكور بين الأخ وأخته فى التركات ولم يعترف بالنظام القديم الذى كان يميز الأخ الأكبر فى الميراث. ووضع القانون المذكور ديون الزوج الى زوجته فى موضع ممتاز ولها الأسبقية على كافة الديون الأخرى.