26‏/3‏/2013

الملوك العسكريون...!!!


الملوك العسكريون...!!!
يكتب: محمود فرحات
بين الماضي والحاضر لا اختلاف كبير في الاحداث وان اختلفت الاشخاص والوسائل فالتاريخ المصري يدور في عجلته ليعود مرة اخرى ليكرر احداثه...ومن مسيرة التاريخ نستكشف الحقائق ونستخلص العبر لننير به ظلمات دروبنا الحاضرة نتعرف من حوادث الماضي على ما سيكون من مستقبلنا..فالماضي هو مرآة المستقبل.
نعود لماضينا المجيد وحوادثه التي تصير كل يوم حقيقة لابد وان نقف امامها لنتفهم مدلولها...نعود لفترة تاريخية قد تكون مشابهه لعصرنا الذي نعيشه...نحاول ان نربط الاحداث بالأحداث...ونظل ننتظر القائد الاسطورة الذي سيعيد بلادنا الى صوابها...ومازلنا ننتظر..؟؟؟
ففي حوالي عام 1353 قبل الميلاد جلس على عرش البلاد رجل يدعى (اخناتون) ويعني اسمة المخلص لآتون (وآتون هو احد اسماء الله في عقيدة القدماء)، ذلك الرجل تسلم البلاد وهى امبراطوريه عظيمة صنعها شعب مصر بقيادة حكامها العظام (احمس) و(امنحتب الاول) و(تحتمس الثالث)...ومع نهاية عصر(اخناتون) كانت مصر قد فقدت كل مجدها وهيبتها وتحولت الى مجرد دولة يطمع فيها الطامعون...لا تسمع لها كلمة ولا يهاب لها جانب.
ضاعت هيبة مصر وساءت احوالها لانشغال حاكمها بصلواته وعقيدته ومشروعة الجديد الذي كان يريد ان يعممه على مصر ومستعمراتها في الخارج وذلك على حساب البلاد والعباد فأهمل الاصلاحات الداخلية وشاعت في البلاد الفوضى والإضرابات وانعدم الامن وانقسمت البلاد الى معسكرين معسكر يحابي الملك الجديد ومعتقداته الجديدة ويحاول ان يفرض مشروعة على ارض الواقع في عنصريه واضحة وتكفير لكل من خالفهم وفريق آخر يؤمن بأن البلاد كانت افضل في ظل العقيدة القديمة والنظام السابق حيث الامن والامان وسلطة الدولة المفروضة على محيطها الاقليمي حيث كان ملوكها وامرائها لا يجرؤن على القيام بأي فعل الابعد الرجوع الى الجالس على عرش مصر..!!
وتحدثنا رسائل العمارنه عن مدى اهمال (اخناتون) لشؤون مُلكه وترفعه عن الاستماع لشكوى شعبه واستنجاد المدن في بلاد الشام من سطوه بعض البلاد الطامعة في تقسيم تركة مصر الامبراطورية  ولكن ملك مصر كان يعيش في عالم آخر ويرى البلاد بعينه اكثر استقرارا وامنا وما معارضيه الا محض حاقدون على عرشه ولا ضير من تركهم يحترقون بنيران حقدهم.
اختفى (اخناتون) فجأة من مسرح التاريخ وتبعه حاكم اخر كان امتداد لحكمة الديني هو الابن الاكبر (سمنخ كا رع) والذي لا نعلم عنه الكثير فقد كان ابناً من الزوجة الثانوية (كيا) والذي كان غير مقبول من الملكة الشرعية (نفرتيتي) وكما بدأ ذلك الملك فجأة حكمة اختفى كسلفه فجأة دون معرفة الاسباب الحقيقية لاختفائة بعد ان حكم البلاد لمدة 3 سنوات..!! وولي امر البلاد ذلك الصبي الصغير المدعو (توت عنخ امون) ولعل ذلك كان بتدخل من الجيش لربما تتحسن احوال البلاد ولكن استمر الحال على هذا السؤ وبلغ انهيار البلاد مداه وازدادت المؤامرات على الفتى الصغير الذي جلس على عرش البلاد حتى انه مات قتيل...وما كان هو وسابقية الا امتداد للحكومة الدينية المسيطرة على البلاد منذ جلس (اخناتون) على عرش مصر.
وبلغ من انحطاط البلاد في ظل هذا الحكم الديني الاقصائي من الوضاعة في ذلك العصر ان ترسل الملكة (عنخ اس امون) ارملة (توت عنخ امون) رسالة لملك الحثيين تطلب منه ارسال احد ابنائة ليتزوج منها (ومعنى ذلك ان البلاد تسلم على طبق من ذهب الى اشد اعداء مصر في ذلك الوقت وهم الحيثيين) وما ان فعل ذلك ملك الحيثيين وارسل ابنه الى مصر الا وكانت يد الغيورين على عِرض مصر وامنها قد اغتالته قبل ان تطأ قدمه ارض مصر..!! ويقال ان القائد (خبر خبرو رع آي) هو من كان وراء ذلك.
ومن تلك اللحظة بدأ يظهر للعسكرين دورهم في السياسة وتطلعوا الى حكم البلاد لانقاذها من كبوتها حيث لم يكن لهم من قبل أي دخل بعرش البلاد...فقد كان قادة الجيش العسكريين الغيورين على مصر يراقبون ما يحدث بالبلاد منذ حكم (اخناتون) وما وصلت اليه من تدهور في كافة المجالات ورده حضارية كبرى التي تعرضت لها في ظل هذا الحكم الديني ويترقبون الفرصة لازاحة هذا الحكم الفاشل الذي ادى بالبلاد الى هذا الانحدار...كما انهم كعسكريين كانوا يشعرون بخطورة التفكك والانقسام الداخلي وانفلات قبضة مصر من السيطرة على محيطها الاقليمي وفقدانها هيبتها بين الامم فقرروا ان يدركوا ما تبقى من هيبة للبلاد
يذكر لنا التاريخ اربعة قادة عسكريين كان لهم الفضل الكبير في اعادة البلاد لسابق عهدها...فقد بدأ الدور السياسي للعسكريين عندما تولى القائد (آي) عرش الكنانة عام 1339 قبل الميلاد فقد كان (آي) من الرجال المعروفين بالبلاد من ايام الملك(امنحتب الثالث) فقد كان ذي مركز مرموق في القوات المسلحة وعضو بارز في النخبة من العسكريين حيث كان يحظى بالاحترام وقوة النفوذ وقد حاول (آي) اعادة البلاد لسالف عهدها وفرض الامن في سائر البلاد الا انه مات بعد 4 سنوات من حكمة...وقد اوصى بحكم البلاد لاحد القادة المشهود لهم وهو (حورمحب) والذي حكم البلاد عام 1335 قبل الميلاد...(حورمحب) ذلك الرجل الذي عرفناه مخلصا لوطنه ولمليكة  فلم يكن يوما متطلعا الى عرش مصر حتى سعى اليه المُلك سعياً..وقد استطاع ذلك القائد العسكري ان يعيد للبلاد هيبتها المفقودة ويصلح امورها الداخلية ويفرض الامن والامان ويسجل لنا التاريخ انه عقد معاهدة مع عدو مصر (مورسيل الثالث) ملك الحيثيين مما ساعدة على اعادة بناء البلاد فسن القوانين ونظم العلاقة بين الفرد والسلطة الحاكمة..كما عمل على كبح جماح الامتيازات وسؤ استغلال السلطة الذي انتشر منذ حكم (اخناتون)...حكم (حورمحب) لمدة 30 عام واوصى بالمُلك الى صديقه القائد العسكري (رعمسيس الاول) الملك المؤسس للاسرة 19  والذي حافظ على مصر وحدودها حتى سلمها الى ابنه الاكبر والاهم من بين القادة العسكريين الذين حكموا مصر وهو(سيتي الاول)والذي اطلق على عصر (وحم مسوت) والتي تعني عصر البعث وقد كان بحق عصراً لبعث عظمة مصر وامبراطوريتها..
يا له من تشابه عجيب بين عصر (اخناتون) وحكومتهم الدينية وعصرنا هذا وحكومتنا التي تدعي انها دينية اسلامية...فـ(اخناتون) لم يقبل التعايش مع من عارضه او خالفه في المعتقد او العقيدة وكذلك تفعل جماعة الاخوان المسلمين وأنصارهم من السلفيين...كما ان (اخناتون) اعتبر نفسه هو الصواب وهو المخلص الوحيد لله وهو من فوضه الله دون غيره من البشر بتنفيذ تعاليمه وكل من خالفه مخطئ او منافق او خائن او حتى كافر وكذلك الحال بالنسبة للزمرة الحاكمة ممن يدعون انتسابهم للإسلام ...وكذلك فإن (اخناتون) عزل نفسه عن الرعيه وعن شؤون الدولة متفرغا لصلواته والاستماع لرياء وتملق رجال بلاطه وكذلك رئيسنا المؤمن انعزل عن شعبه وتفرغ لصلاة هنا وصلاه هناك وتفرغ لامتلاءات قيادات جماعة الاخوان وحلفائها وترك الشعب بآلامه وهمومه دون ان يستمع لمتاعبهم..
فلينتظروا هم مصيرة التاريخي المحتوم..ولننتظر نحن حور محب وسيتي الاول لعلهما يبعثا من جديد..!!