1‏/7‏/2008

حتى لا ننسى!! هذة هى المرأة المصرية

بقلم‏:‏ اقبــال بركة
اول شهيدة مصرية فى العصر الحديث
لايمكن أن يتحرر شعب بينما نصفه مغلول الي المطبخ‏,‏ عبارة أطلقها المفكر الألماني كارل ماركس الذي صدر المجلد الرابع من كتابه الخطير رأس المال خلال سنوات‏1904‏ ـ‏1910.‏
انفجر كفاح الشعب المصري المرير لمقاومة وإنهاء الاحتلال البريطاني بعد انتهاء الحرب العالمية الأولي‏,‏ وطوال المرحلة الأولي من النضال الشعبي لإنهاء الاحتلال لم تتوان المرأة المصرية عن بذل الروح والدم في سبيل وطنها الحبيب مصر‏.‏ وقد تزامنت معركة تحرير مصر لترابها المقدس مع معركة انطلاق ابنتها المصرية من أسر الرق والحريم والجاهلية العثمانية‏,‏ حتي بدا كأن إحداهما لن تنتصر دون الأخري‏.‏...كانت تلك هي الحلقة الثالثة في نضال المرأة المصرية لكسر أغلالها والدفاع عن حرية وكرامة بلدها في آن واحد‏.‏ وبدأت الحلقة الأولي في بداية القرن التاسع عشر‏,‏ بالدور الذي لعبته النساء الحرافيش في ثورات القاهرة أثناء الغزو الفرنسي لمصر‏,‏ وخلده المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي‏,‏ ثم جاءت الحلقة الثانية بعد ذلك بأقل من قرن‏,‏ في أثناء ثورة البطل المصري احمد عربي عندما وقفت النساء المصريات من الطبقة الحاكمة معه‏,‏ وناصرنه‏,‏ وعارضن الخديوي توفيق في السر والعلن‏.‏...ثم جاءت الذروة في أثناء ثورة‏1919,‏ وعن شجاعة واستبسال المرأة المصرية تحكي هدي شعراوي في مذكراتها الكثير من الأحداث المثيرة‏.‏
تذكر هدي شعراوي في مذكراتها أن صفية هانم زغلول حرم سعد باشا‏,‏ والتي سيمنحها الشعب لقب أم المصريين وقفت موقفا رائعا ينم عن شجاعة المرأة المصرية ورفضها الخضوع للقهر وتحديها للسلطة الغاشمة‏,‏ ففي يوم اعتقال زوجها ورفاقه أرسلت صفية زغلول الي علي شعراوي‏,‏ وكيل الوفد‏,‏ تبلغه ان مكتب سعد في بيته مفتوح له ولزملائه في غيابه‏,‏ كما كان في حضوره‏,‏ وترجوه أن يقبلوا دعوتها علي العشاء في ذلك المساء‏,‏ وأن يعقدوا جلستهم الأولي في مكان انعقادها المألوف‏,‏ كي لايطرأ علي سير الدعوة أدني تغيير بعد حادث الاعتقال الذي أريد به القضاء عليها‏.‏ وقد قرر الأعضاء أن يلبوا دعوتها ويشكروها ويعقدوا اجتماعاتهم في بيت الأمة‏,‏ وأن يعتذروا عن العشاء‏.‏
وتقول هدي هانم إن زوجها نصحها بالاتصال بحرم سعد باشا وحرم محمد محمود باشا وبعائلات أعضاء الوفد في أثناء نفي سعد باشا ورفاقه‏,‏ وعندما شعر بأن الانجليز قد ينفونه هو الآخر أو يعدمونه ترك زملاءه المجتمعين في الدور الأول والمنزل وصعد اليها في الطابق الثاني ليقول لها‏:‏ ربما تعتقلنا السلطة‏,‏ فاذا حدث ذلك‏,‏ فأرجو أن تسلمي هذا المبلغ لحرم سعد باشا‏,‏ فربما تحتاج اليه في غيبتي‏,‏ أي أعطاها اشارة البدء في المشاركة الفعلية في النضال‏,‏ فكانت هي وصاحباتها يخرجن في أثناء الثورة لزيارة أهل المصابين برصاص الانجليز ويواسونهم ويزرن الجرحي ويمددن يد العون للفقراء والمعوزين‏,‏ من ضحايا البطش الانجليزي وانتهاكهم حرمات البيوت واعتدائهم علي الأرواح والأعراض والممتلكات خصوصا في الضواحي‏.‏...وفي مظاهرة سلمية ضمت جميع الهيئات المصرية الرسمية من جيش وقضاة ومحامين وموظفين ومن علماء الأزهر وطلابه وعمال ورجال الدين من جميع الأديان‏,‏ لم يفت النساء المصريات‏(‏ من كل الطبقات‏)‏ المشاركة فيها‏,‏ البعض داخل سياراتهن أو عرباتهن‏,‏ وأخريات علي عربات الكارو وكن جميعهن يحملن العلم المصري في أيديهن ويلوحن به في جرأة متحدين جنود جيش الاحتلال...‏ وقد أثار مشهد النساء المصريات جنود الاحتلال الي أبعد مدي‏,‏ ولعله أشعل في قلوبهم مشاعر الخوف الي جانب الغضب من هذه المخلوقة التي لم يتعرفوا عليها ولم يألفوا وجودها حولهم‏,‏ حتي ظنوها غير موجودة‏.‏ ولاشك ان الحجاب العثمانلي والمشربيات والحراسة المدججة علي الحريم كانت تثير خيالهم‏,‏ وتجعلهم يتصورون أنواع المتع الحسية والملذات الجسدية التي تتفرغ النساء الشرقيات لتقديمها لسيدها الرجل وتجعل منها هدفا وحيدا لوجودها‏.‏ لذلك أصيبوا بالذعر عندما ظهرت المرأة المصرية فجأة‏,‏ بعد أن مزقت الشرنقة التي فرضها عليها محتل سابق‏,‏ وغادرت عرينها وأبدت شجاعة تصل الي حد الاشتباك بالأيدي مع جنود الاحتلال‏.‏
تقول هدي شعراوي‏:‏ كانت المرحومة ألفت هانم راتب تمسك بيدها علما مصريا صغيرا يرفرف من نافذة سيارتها‏,‏ وعند مرور المظاهرة أمام فندق الكونتننتال انقض أحد الجنود الانجليز علي سيارتها‏,‏ وحاول انتزاع العلم من يدها‏,‏ ولكنها تشبثت به ولم تمكنه من انتزاعه‏,‏ ولما كان ذلك علي مشهد من الاجانب‏,‏ فقد صفقوا اعجابا بها‏,‏ فثار الجندي ثورة حمقاء وأخذ يجذب العلم منها ويضربها بيده الأخري علي ذراعها ضربات قاسية ليرغمها علي التسليم‏,‏ ورغم ذلك لم يتمكن من قهرها‏,‏ وعندما صار أضحوكة المتفرجين أقبل بعض زملائه وأخذوا يطعنون سيارتها..‏ وأسفرت المعركة بين جنود بريطانيا المسلحين وبين سيدة مصرية عزلاء عن احتفاظها بعلم بلادها‏....‏وقد ذكرت هدي شعراوي في مذكراتها أن العديد من النساء اللاتي أرغمتهن الظروف علي عدم ترك بيوتهن كن يتجمعن في شرفات البيوت ويهتفن ويصفقن للمتظاهرين‏,‏ وكثيرا ماكان جنود الانجليز يوجهون رصاصاتهم الي هؤلاء النسوة‏,‏ فكانوا يجرحون البعض ويقتلون البعض الآخر‏.‏.‏ وكما سقط الألوف من الأطفال والشبان والشيوخ شهداء في سبيل وطنهم‏,‏ ذكرت أسماء النساء المصريات الباسلات اللاتي سقطن شهيدات فداء مصر برصاص الانجليز ومن بينهن‏:‏
السيدة شفيقة بنت محمد والسيدة عائشة بنت عمر‏,‏ والسيدة فهيمة رياض‏,‏ والسيدة حميدة بنت خليل‏,‏ والسيدة نجية اسماعيل‏.‏...كانت شفيقة محمد أول شهيدة مصرية‏,‏ وقد أحدث خبر استشهادها موجة من الحزن والسخط
وخرجت كل طبقات الأمة تشارك في تشييع جثمانها ولم تحترم سلطات الاحتلال المشاعر الوطنية الجياشة فوجهوا مدافعهم صوب المشيعين وكادت تحدث مجزرة‏.‏..ولم تؤثر تلك الحادثة وغيرها علي المرأة المناضلة‏,‏ فقد قامت النساء المصريات بدور كبير في أثناء اضراب الموظفين وكن يشجعن أزواجهن وأبناءهن علي عدم الذهاب لأعمالهم‏,‏ وقامت الكثيرات بالوقوف علي أبواب الدواوين لمنع المتخاذلين من الدخول الي مكاتبهم‏,‏ وكن ينتزعن أساورهن وحليهن‏,‏ ويقدمنها لهم قائلات‏:‏ اذا كان أحدكم في احتياج لمرتبه فليأخذ هذه الحلي‏,‏ ولا تسودوا وجوهنا بالرجوع الي اعمالكم بعد صدور الانذار البريطاني‏.‏...وعندما ارسلت الحكومة البريطانية لجنة برئاسة اللورد ملنر وزير المستعمرات لبحث وسائل ضم مصر الي بريطانيا‏,‏ أعلنت نساء مصر رفضهن النهائي للتفاوض مع هذه اللجنة‏,‏ ومقاطعتها‏.‏
وفي‏20‏ يناير‏1922,‏ بينما سعد زغلول منفي بجزيرة سيشيل‏,‏ اجتمعت السيدات المصريات في جلسة فوق العادة وقررن اعلان المقاطعة العامة لكل ماهو انجليزي من بضائع وأشخاص سواء كانوا تجارا أو موظفين أو أطباء أو صيادلة‏...‏ وقد استجابت كل قوي الشعب لنداء النساء المصريات وكانت لتلك المقاطعة آثارها الوخيمة علي الدولة العظمي‏,‏ وفي نفس الوقت بدأت الدعوة الي التعامل مع الصناعات الوطنية وتشجيعها